ارتفع احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين السودان وإثيوبيا بصورة ملحوظة خلال عام 2026، رغم أن اندلاع حرب شاملة ومتعمدة بين الدولتين لا يزال مقيدًا بانخراط حكومتيهما في صراعات داخلية كبرى، وفق تحليل كتبه معهد روبرت لانسينج.
ويشير معهد روبرت لانسينج إلى أن الخطر الرئيسي لا يتمثل في غزو إثيوبي مخطط للسودان أو هجوم سوداني على إثيوبيا، وإنما في «تقارب الصراعات»، أي اندماج الحرب الأهلية السودانية تدريجيًا مع الصراعات الداخلية في إثيوبيا، والنزاع الحدودي غير المحسوم حول الفشقة، والخلاف بشأن النيل وسد النهضة الإثيوبي، والمنافسة الإقليمية المتزايدة التي تضم مصر وإريتريا والإمارات والسعودية وأطرافًا أخرى.
وتدهورت العلاقات بصورة حادة في مايو 2026، بعدما اتهم السودان إثيوبيا بتسهيل عمليات لطائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع ضد أهداف داخل السودان. ونفت أديس أبابا تورطها، واتهمت السودان بدعم قوى تسعى إلى زعزعة استقرار إثيوبيا. واستدعى السودان سفيره، فيما وصف مسؤولون في القوات المسلحة السودانية الاتهامات المتعلقة بالدور الإثيوبي المزعوم بأنها عمل عدواني، وحذروا من احتمال الرد.
وتشير مصادر إلى تنامي الروابط الإثيوبية مع قوات الدعم السريع، لكن الاتهامات السودانية المحددة بشأن هجمات بعينها بالطائرات المسيّرة لا تزال موضع خلاف.
وفي الوقت نفسه، يتشكل نظام أكثر خطورة من الاصطفافات المتعارضة. فمن جهة، يظهر محور يتمركز حول الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وقوات الدعم السريع، مع أداء الإمارات دورًا إقليميًا مهمًا. ومن جهة أخرى، تتشكل دائرة أكثر مرونة تضم القوات المسلحة السودانية وإريتريا وعناصر من الحركة التيغراية ومصر، وتتقاطع مصالحها في معارضة جوانب مختلفة من سياسة أديس أبابا الإقليمية.
ولا ينبغي فهم هذه الاصطفافات باعتبارها تحالفات عسكرية رسمية؛ إذ تتباين مصالح أطرافها بصورة متكررة. لكنها توفر في الوقت نفسه بنية تحتية يمكن أن تتيح نشوب حرب بالوكالة.
ويتمثل السيناريو الأكثر خطورة في اندماج الحرب الأهلية السودانية والصراعات الداخلية الإثيوبية ونزاع الفشقة وأزمة سد النهضة والمواجهة الإثيوبية الإريترية، بما يقود إلى تصعيد بالوكالة ثم حادث حدودي فمواجهة بين الدولتين.
ويتحول الحد الفاصل بين السودان وإثيوبيا تدريجيًا إلى إحدى المناطق التي يمكن أن تتقاطع فيها عدة صراعات في القرن الأفريقي.
حربان أهليتان تتجهان نحو التقاطع
تظل قدرة البلدين العسكرية القيد الرئيسي أمام اندلاع حرب شاملة. وتخوض القوات المسلحة السودانية معارك ضد قوات الدعم السريع وقوى مرتبطة بها في أنحاء السودان، بينما يتعين على قوات الدفاع الوطني الإثيوبية التعامل مع تجدد الاضطرابات في تيغراي ومواصلة مواجهة تمرد فانو في أمهرة.
ولا تملك أي من الحكومتين حافزًا قويًا لفتح جبهة تقليدية جديدة واسعة. وتخلص تقييمات حديثة أيضًا إلى أن قيود القدرات العسكرية تجعل المواجهة المباشرة أقل احتمالًا، حتى مع زيادة خطر التصعيد عبر وكلاء.
لكن محدودية القدرة على خوض حرب تقليدية لا تجعل الوضع آمنًا بالضرورة. فعندما تفتقر الحكومات إلى القدرة على شن حرب شاملة، تزداد حوافزها لاستخدام وكلاء وشبكات استخبارات وجماعات مسلحة عابرة للحدود وممرات لوجستية ومساعدات عسكرية يمكن إنكار مسؤوليتها عنها، ما يجعل السيطرة على التصعيد أكثر صعوبة.
بدأت الحرب السودانية في أبريل 2023، باعتبارها صراعًا بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي.
لكن المشهد العسكري السوداني شهد لاحقًا تفككًا كبيرًا. ويقدر مركز الدراسات الاستراتيجية الأفريقية أن نحو 150 ميليشيا وتشكيلًا مسلحًا ينشط حاليًا في الصراع، ما يعني أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مؤسستين عسكريتين منفردتين، بل كجزء من تحالفات أوسع تضم ميليشيات وشبكات سياسية وشركاء إقليميين.
وتواجه إثيوبيا في الوقت نفسه أزمات أمنية عدة لم تُحسم بعد. فقد أنهى اتفاق بريتوريا المرحلة الرئيسية من حرب تيغراي عام 2022، لكنه لم يحسم قضايا رئيسية تتعلق بالسيطرة على الأراضي، وتسريح القوات، والوضع السياسي لجبهة تحرير شعب تيغراي، والعلاقات بين أديس أبابا وأسمرة.
كما تواجه الحكومة الفيدرالية تمرد فانو في إقليم أمهرة.
وينتج عن ذلك نظام أمني يزداد ترابطًا؛ إذ يمكن للجماعات المسلحة التي تقاتل حكومة ما أن تبحث عن ملاذ أو مساعدة لدى الدولة المجاورة، ما يخلق ديناميكية تقليدية للحرب بالوكالة. فقد تدعم أديس أبابا أو تسهل تحركات أطراف معادية للخرطوم، فيرد الخرطوم بدعم أطراف معادية لأديس أبابا، لتكتسب الحكومتان حوافز لزعزعة المناطق الخلفية للطرف الآخر.
قوات الدعم السريع والفشقة وسد النهضة تشعل التوتر
يتعلق أبرز تدهور حديث بالعلاقات بين إثيوبيا وقوات الدعم السريع. وتشير أدلة قيّمها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية إلى أن إثيوبيا أصبحت، منذ أواخر عام 2025، طريق عبور مهمًا للإمدادات التي تصل إلى قوات الدعم السريع من الإمارات، مع وجود رحلات شحن مثيرة للشكوك وأدلة من الأقمار الصناعية مرتبطة بمنطقة بني شنقول-قمز.
وازداد الخلاف خطورة في مايو 2026، عقب هجمات شنتها قوات الدعم السريع بطائرات مسيّرة على منشآت في وسط السودان وشرقه. واتهمت السلطات السودانية إثيوبيا بتسهيل العمليات انطلاقًا من أراضيها.
وحذر البرهان من أن السودان سيتخذ الإجراءات اللازمة لحماية أراضيه إذا أثبتت التحقيقات تورط إثيوبيا، فيما وصفت القوات المسلحة السودانية المساعدة الإثيوبية المزعومة بأنها عمل عدواني. واستدعى السودان سفيره من أديس أبابا.
ونفت إثيوبيا تورطها، لكنها صعدت أيضًا سياسيًا واتهمت السودان بدعم جماعات مسلحة إثيوبية، ولا سيما قوى مرتبطة بالحركة التيغراية.
وتعني هذه التطورات أن الخلاف لم يعد يقتصر على السودان وقوات الدعم السريع، بل يهدد بالتحول إلى مواجهة بين السودان وقوات الدعم السريع من جهة، والبنية التحتية المزعومة للدعم الخارجي من جهة أخرى. وإذا خلصت الخرطوم إلى أن إثيوبيا توفر ملاذًا لوجستيًا لقوات الدعم السريع، فقد ينظر الجيش السوداني في مرحلة لاحقة إلى الأراضي الإثيوبية باعتبارها جزءًا من ساحة العمليات، ما سيرفع بصورة كبيرة احتمال شن ضربات عبر الحدود.
وتملك أديس أبابا عدة أسباب للحفاظ على قنوات اتصال مع قوات الدعم السريع، حتى إذا لم يعنِ ذلك سيطرتها على استراتيجية القوات. فقد توفر قوات الدعم السريع ورقة ضغط على القوات المسلحة السودانية، خصوصًا أن العلاقات بين الجيش السوداني وإثيوبيا تدهورت خلال حرب تيغراي، عندما استعاد السودان معظم منطقة الفشقة المتنازع عليها.
كما حافظت القوات المسلحة السودانية تاريخيًا على صلات بجبهة تحرير شعب تيغراي وغيرها من أطراف المعارضة الإثيوبية، بينما يمكن لقوات الدعم السريع أن تشكل قوة موازنة للضغط السوداني على الحدود الغربية لإثيوبيا. وتحتفظ إثيوبيا كذلك بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الإمارات، التي ارتبط اسمها على نطاق واسع بشبكات دعم تستفيد منها قوات الدعم السريع.
ويمتلك السودان في المقابل أداة ضغط مقابلة على إثيوبيا عبر علاقاته القديمة مع عناصر من الحركة التيغراية. وخلال حرب تيغراي، وفر السودان ملاذًا للاجئين وحافظ على اتصالات مع قوى تيغرية، فيما تشير تقارير أحدث إلى أن مقاتلين من تيغراي متمركزين في شرق السودان قاتلوا إلى جانب القوات المسلحة السودانية.
ويشير تشاتام هاوس أيضًا إلى تنامي العلاقات بين جبهة تحرير شعب تيغراي وإريتريا والقوات المسلحة السودانية في ظل تدهور العلاقات مع أديس أبابا.
وتثير منطقة الفشقة نزاعًا أقدم من التوتر الحالي. وتقع المنطقة الزراعية ذات القيمة الكبيرة بين ولاية القضارف السودانية وإقليمي أمهرة وتيغراي الإثيوبيين. وطالب السودان منذ فترة طويلة بالسيادة عليها، بينما زرعها مزارعون إثيوبيون، خصوصًا من أمهرة، على نطاق واسع في إطار ترتيبات غير رسمية.
وتغير ميزان السيطرة بصورة كبيرة عام 2020، عندما انشغلت إثيوبيا بحرب تيغراي، فتحركت القوات المسلحة السودانية إلى الفشقة وأعادت فرض السيطرة العسكرية السودانية على معظم المنطقة المتنازع عليها، ما أدى إلى نزوح آلاف المزارعين الإثيوبيين.
ويصر السودان على أن مسألة السيادة على الفشقة حُسمت بالفعل، وأن على إثيوبيا الاعتراف بالحدود القائمة قبل بحث الترتيبات الزراعية. لكن كثيرًا من الأطراف الإثيوبية ترفض هذا التفسير.
ويعد تشاتام هاوس الفشقة واحدة من القضايا الرئيسية التي لم تُحسم وتغذي انعدام الثقة بين البلدين، إلى جانب سد النهضة وتداعيات حرب تيغراي.
وتزداد خطورة القضية لأنها تجمع بين الأرض والزراعة والقومية العرقية، فيما ينتمي غالبية المتضررين الإثيوبيين بصورة مباشرة إلى أمهرة.
ويزيد بُعد أمهرة من تقلبات الوضع في الفشقة، إذ لا يمثل فانو تنظيمًا مركزيًا واحدًا، بل شبكة من التشكيلات المسلحة القومية الأمهراوية التي تقاتل الحكومة الفيدرالية الإثيوبية.
ومع ذلك، يحتفظ القوميون الأمهراويون أيضًا بمطالب تاريخية قوية تتعلق بالأراضي الواقعة على الحدود الغربية والشمالية الغربية لإثيوبيا، ما يخلق مثلثًا معقدًا بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وفانو والسودان.
وقد تجد أديس أبابا وفانو نفسيهما في مواجهة داخلية، بينما تتعارض في الوقت نفسه مصالحهما مع السيطرة السودانية على أراضٍ زرعتها مجتمعات أمهرا تاريخيًا. وقد تؤدي أزمة حدودية إلى تقارب مؤقت بين أطراف إثيوبية متصارعة داخليًا حول القومية الإقليمية، بينما قد تسعى السودان أو إريتريا إلى استمالة فصائل من فانو كأدوات ضغط على حكومة آبي أحمد.
ويأتي سد النهضة في قلب نزاع استراتيجي آخر. فبالنسبة إلى إثيوبيا، يمثل السد مشروعًا تنمويًا ومصدرًا للكهرباء ورمزًا للسيادة وأحد الإنجازات الرئيسية للدولة الإثيوبية. أما بالنسبة إلى مصر، الواقعة في دول المصب، فيمثل النيل موردًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.
وكان موقف السودان من سد النهضة أكثر تعقيدًا تاريخيًا، إذ يمكن أن يوفر السد فوائد تشمل تنظيم تدفقات المياه وتوفير الكهرباء، لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف بشأن سلامة السد وإدارة المياه.
لكن التقارب السوداني المصري أصبح أكثر أهمية، ما يعني أن أي مواجهة بين السودان وإثيوبيا قد ترتبط سريعًا بالنزاع الأوسع بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل.
ولا يكمن الخطر بالضرورة في أن يهاجم السودان سد النهضة، وإنما في أن تبدأ أديس أبابا بتفسير التحركات العسكرية السودانية قرب الحدود الإثيوبية من خلال منظور الاستراتيجية المصرية. وبعبارة أخرى، قد تُفسر الضغوط السودانية باعتبارها ضغطًا مصريًا بالوكالة، وهو تصور يمكن أن يؤثر في التخطيط العسكري الإثيوبي.
مصر وإريتريا والإمارات يرسمون خريطة التصعيد الإقليمي
تملك القاهرة عدة أسباب للحفاظ على علاقة قوية مع القوات المسلحة السودانية، في مقدمتها سد النهضة والبحر الأحمر وتفضيل مصر مؤسسات الدولة التقليدية على انتشار القوات شبه العسكرية المستقلة، إلى جانب تنامي النفوذ الإقليمي لإثيوبيا.
وبالتالي، تمثل مصر أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين للسودان، ما يجعل من الصعب أن تبقى أزمة خطيرة بين إثيوبيا والسودان ثنائية بالكامل. وحتى من دون مشاركة مصر بصورة مباشرة، يمكن للتعاون الاستخباراتي والمساعدة العسكرية ودعم الدفاع الجوي والتدريب والمساندة الدبلوماسية أن تغير نظرة إثيوبيا إلى مستوى التهديد.
وقد يتمثل القلق الإثيوبي الرئيسي في احتمال تشكل طوق استراتيجي يضم مصر والسودان وإريتريا على مداخل إثيوبيا الشمالية والغربية.
وتبرز إريتريا بوصفها متغيرًا قد يغير طبيعة الصراع بصورة كبيرة. فقد تدهورت العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة بشدة منذ انتهاء حرب تيغراي، رغم أن البلدين قاتلا سابقًا معًا ضد جبهة تحرير شعب تيغراي.
وغير اتفاق بريتوريا طبيعة العلاقة، إذ استُبعدت إريتريا من المفاوضات، بينما أدت الخلافات اللاحقة بشأن تيغراي وسعي إثيوبيا مجددًا إلى الوصول إلى البحر الأحمر إلى توسيع الفجوة بين البلدين.
وطورت إريتريا منذ ذلك الحين علاقات أوثق مع القوات المسلحة السودانية. وتشير تحليلات حديثة إلى تنامي التقارب بين أسمرة والبرهان، مدفوعًا جزئيًا بتدهور علاقة إريتريا بإثيوبيا.
وتخلق هذه التطورات جغرافيا شديدة الخطورة؛ إذ قد تواجه إثيوبيا ضغوطًا من السودان غربًا، وإريتريا شمالًا، وقوى تيغرية داخليًا وفي الشمال الغربي، وفانو في أمهرة.
وقد تفسر أديس أبابا التعاون بين هذه الأطراف باعتباره بنية ناشئة لاحتواء إثيوبيا، حتى لو لم تكن هذه البنية المنسقة موجودة فعليًا؛ إذ يكفي أن يعتقد صانعو القرار الإثيوبيون بوجودها للتأثير في حساباتهم.
وعلى الجانب الآخر، أقامت الإمارات علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية واسعة في أنحاء القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر. وتعد إثيوبيا شريكًا مهمًا لأبوظبي.
كما ربطت تقارير وتحليلات دولية بين الإمارات وشبكات دعم لقوات الدعم السريع مرات عديدة، رغم نفي أبوظبي الاتهامات بتزويد القوات بالأسلحة.
وتشير الصورة الإقليمية الناشئة إلى شبكة تتمحور حول إثيوبيا والإمارات وصوماليلاند، في مقابل شبكة أكثر مرونة تضم القوات المسلحة السودانية وإريتريا ومصر وعناصر تيغرية، مع تداخل المصالح السعودية والتركية في أجزاء من هذا الاصطفاف.
ولا تمثل هذه الأطراف كتلًا رسمية، لكن النمط الناشئ يكتسب أهمية لأن الصراعات المحلية تتداخل بصورة متزايدة مع المنافسة بين القوى الشرق أوسطية.
ومع ذلك، لا يتسم أي من المعسكرين بالتماسك الكامل. ففانو تعادي آبي أحمد، لكنها قد تعارض السودان بشأن الفشقة. ولجبهة تحرير شعب تيغراي أهدافها الخاصة، بينما تشك إريتريا في كل من إثيوبيا وبعض عناصر الحركة التيغرية. وتركز مصر بصورة أساسية على ملف النيل، فيما تتمثل أولوية القوات المسلحة السودانية في هزيمة قوات الدعم السريع، بينما تتجاوز أولويات الإمارات حدود السودان بكثير.
ويقلل هذا التفكك في الوقت نفسه من احتمال اندلاع حرب إقليمية مخطط لها مركزيًا، لكنه يزيد خطر التصعيد غير المنضبط عبر الوكلاء.
ولا تبدو الحرب الشاملة خيارًا جذابًا لأي من السودان أو إثيوبيا في الوقت الحالي. فالسودان يخوض بالفعل صراعًا من أجل بقاء الدولة، ويتعين على القوات المسلحة السودانية توزيع قواتها في مواجهة قوات الدعم السريع على جبهات عدة، بينما يكتسب شرق السودان، بما يشمل القضارف وبورتسودان، أهمية استراتيجية لبقاء الحكومة.
تنتشر قوات مسلحة متحالفة مع الجيش السوداني في أنحاء الشرق، في حين تواجه إثيوبيا قيودًا مشابهة، إذ يتعين على قوات الدفاع الوطني الإثيوبية التعامل مع تمرد فانو، والتسوية غير المستقرة في تيغراي، والتوتر مع إريتريا، ومشكلات أمنية متعددة في المناطق الطرفية.
سيؤدي فتح جبهة تقليدية أخرى ضد السودان إلى تكاليف لوجستية وعسكرية كبيرة، ما يخلق رادعًا قويًا أمام اندلاع حرب متعمدة بين الدولتين، لكنه قد يدفعهما أيضًا إلى القتال بصورة غير مباشرة.
ولا يبدأ المسار الأكثر ترجيحًا نحو الحرب بإعلان رسمي، بل قد يبدأ بطائرة مسيّرة. فقد تشن قوات الدعم السريع هجومًا كبيرًا بطائرة مسيّرة على منشأة استراتيجية تابعة للقوات المسلحة السودانية، ثم تخلص الاستخبارات السودانية إلى أن الطائرة أُطلقت أو جرى التحكم فيها أو تزويدها عبر الأراضي الإثيوبية.
قد تطالب الخرطوم حينها أديس أبابا بإغلاق البنية التحتية المستخدمة، فترد إثيوبيا بالنفي، قبل أن تنفذ القوات المسلحة السودانية ضربة محدودة ضد موقع لوجستي مشتبه في دعمه لقوات الدعم السريع داخل إثيوبيا. وقد ترد قوات الدفاع الوطني الإثيوبية باستهداف قوات سودانية قرب الحدود، ثم يمتد القتال نحو الفشقة، بالتزامن مع زيادة إريتريا الضغط العسكري على إثيوبيا، واتهام أديس أبابا للسودان بالتنسيق مع إريتريا وجبهة تحرير شعب تيغراي.
وعند هذه النقطة، قد تتحول الحرب بالوكالة إلى حرب بين الدولتين.
ويتمثل الحد الفاصل الحاسم في أول ضربة عسكرية معلنة عبر الحدود تنفذها إحدى الدولتين ضد الأخرى، وليس بالضرورة في تحرك واسع للقوات.
وقد تصبح الفشقة ساحة المعركة حتى لو لم تكن سبب الأزمة. فقد تبدأ المواجهة المقبلة بسبب طائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع أو جماعات تيغرية مسلحة، لكن الفشقة توفر ساحة جغرافية واضحة للصدام، كما يعرف الطرفان طبيعة الأرض ويمتلكان روايات تاريخية وعسكرية متنافسة بشأنها، ويمكن تعبئة القواعد القومية بسهولة حولها.
وبذلك قد لا تتسبب الفشقة في اندلاع الأزمة المقبلة، لكنها قد تصبح المكان الذي تتحول فيه الأزمة إلى حرب.
ويحذر التحليل من التعامل مع تقديرات الاحتمالات الرقمية بحذر، لأن المسار يعتمد بدرجة كبيرة على قرارات أطراف مسلحة متعددة وعلى اتهامات يصعب التحقق منها بصورة مستقلة. وبالنسبة إلى الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة، يشير التقييم إلى أن خطر اندلاع حرب تقليدية شاملة بين السودان وإثيوبيا يتراوح بين المنخفض والمتوسط، بينما يرتفع خطر المواجهة الحدودية المباشرة المحدودة، في ظل وجود الفشقة والاتهامات المتعلقة بعمليات قوات الدعم السريع والدعم السوداني المحتمل لجماعات معارضة إثيوبية كعوامل متعددة يمكن أن تشعل التصعيد.
أما تصاعد الصراع بالوكالة فيبقى المسار الأكثر ترجيحًا، لأنه يمنح الحكومتين أدوات ضغط مع تقليل التكلفة المباشرة للمواجهة. كما يمثل وقوع حادث عابر للحدود باستخدام طائرات مسيّرة أو غارات جوية آليةً خطيرة يمكن أن تنقل الصراع بالوكالة إلى مواجهة مباشرة بين الدولتين.
وسيكون المتغير الحاسم هو ما إذا كانت أديس أبابا وبورتسودان ستحافظان على تمييز واضح بين دعم الوكلاء ومهاجمة أراضي الدولة الأخرى بصورة مباشرة. فإذا انهار هذا التمييز، سيصبح احتواء التصعيد أكثر صعوبة بصورة كبيرة.
وتتمثل أبرز مؤشرات الخطر في تعزيز الانتشار العسكري السوداني في القضارف والفشقة، ودفع إثيوبيا مزيدًا من القوات نحو الحدود السودانية، وبناء أو توسيع البنية التحتية للطائرات المسيّرة في غرب إثيوبيا، وتأكيد استخدام قوات الدعم السريع الأراضي الإثيوبية، وتنفيذ القوات المسلحة السودانية ضربات ضد البنية التحتية اللوجستية عبر الحدود، وزيادة الانتشار العسكري المصري أو مساعدات الدفاع الجوي في شرق السودان، وحشد إريتريا قوات قرب إثيوبيا، وتعزيز التعاون بين القوات المسلحة السودانية وإريتريا والعناصر التيغرية، وظهور أدلة إثيوبية على وصول أسلحة سودانية إلى قوات تيغرية أو فانو، وإجلاء الدبلوماسيين، وإغلاق المعابر الحدودية، وتصاعد الخطاب الرسمي الذي يصف حكومة الدولة المجاورة نفسها، وليس وكلاءها، بأنها العدو.
ويبقى الإسناد العامل الأكثر أهمية. فطالما يصف السودان قوات الدعم السريع بأنها الخصم الرئيسي، وتصف إثيوبيا القوات التيغرية أو الجماعات المسلحة الأخرى بأنها الخصم الرئيسي، يمكن أن يظل التصعيد غير مباشر.
أما إذا بدأت أي من الحكومتين في تعريف الدولة الأخرى علنًا باعتبارها طرفًا محاربًا، فسيتغير المشهد الاستراتيجي بصورة كبيرة.
ويخلص التحليل إلى أن خطر الحرب بين السودان وإثيوبيا لا ينبغي تقييمه أساسًا من خلال السؤال عما إذا كان البرهان أو آبي أحمد يعتزم مهاجمة الطرف الآخر. فلا توجد حاليًا دوافع استراتيجية قوية تدفع أيًا من الحكومتين إلى اختيار حرب كبرى بين الدولتين.
لكن الحرب الأهلية السودانية تتقاطع بصورة متزايدة مع الصراعات الداخلية الإثيوبية، كما تتداخل علاقة إثيوبيا بقوات الدعم السريع مع علاقات السودان بالقوى التيغرية. وتوفر الفشقة ساحة محتملة للصدام، بينما تدخل أزمة سد النهضة مصر في المعادلة، ويضيف سعي إثيوبيا إلى تعزيز وصولها إلى البحر الأحمر عاملًا جديدًا يتعلق بإريتريا. كما يربط الحضور الإماراتي في المنطقة هذه المنافسات المحلية بالتنافس الأوسع في الشرق الأوسط.
وبذلك، لا يكمن الخطر الأكبر بالضرورة في قرار متعمد بشن حرب، وإنما في سلسلة من عمليات التصعيد المتبادلة التي قد تبدأ بصراع بالوكالة، ثم تنتقل إلى ضربة عبر الحدود، قبل أن تتطور إلى مواجهة مباشرة يصعب احتواؤها.

